الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

96

شرح ديوان ابن الفارض

قال الحاجري : أدعوه إن أبدى التلفّت يا رشا * وأشير بالغصن الرطيب إذا مشا وهذا أقوى دليل من المصنّف رضي اللّه عنه على أن كل تغزّل يقع في كلامه سواء كان مذكّرا أو مؤنّثا أو تشبيب في رياض أو زهر أو نهر أو طير ونحو ذلك فمراده به الحقيقة الظاهرة المتجلية بوجهها الحقّ الباقي في ذلك الشيء الفاني وليس مراده ذلك الشيء الذي هو في نظره وتحقيقه مجرد رتبة وهميّة وصورة تقديرية . اه . جنّة عندي رباها أمحلت أم حلت عجّلتها من جنّتيّ الجنة في اللغة الحديقة ذات النخل والشجر ، جمعه جنان على وزن كتاب . والرّبا جمع ربوة : وهي مثلثة الراء ما ارتفع من الأرض ، وقوله تعالى : أَخْذَةً رابِيَةً [ الحاقّة : الآية 10 ] من ذلك لأن المراد أخذة عالية زائدة شديدة . وأمحل المكان فهو ماحل على غير قياس ، وممحل وهو القياس قليل في السّماع ، ومعناه الشدّة والجدب وانقطاع المطر . و « أم » : استفهامية . و « حلّت » : فعل ماض من الحلاوة . وقوله « عجّلتها » على البناء للمجهول أي جعلت هذه الجنة معجّلة لي . وقوله « من جنّتي » بصيغة التثنية والمثنّى مضاف إلى ياء المتكلم . الإعراب : رباها : مبتدأ . وجنّة : خبر مقدّم . وعندي : متعلق بمعنى الجملة ، أي ثبت عندي أن رباها جنة . وجملة قوله عجلتها من جنتي : صفة جنة . وقوله أمحلت أم حلت معترضة بين الصفة والموصوف . المعنى : رباها جنة عندي عجّلت تلك الجنة في الدنيا من جنتي ، أي من جنتي هذه والتي بعدها في الآخرة ، وقد حكمت بكونها جنة عندي سواء كانت ممحلة مجدبة معطّلة من أسباب النفع أم كانت حلوة ، فهي جنة على كل حال في الشدّة والرخاء . وفي البيت الجناس الملفّق بين أمحلت وأم حلت . ( ن ) : يعني أن المحبوبة هي جنة عندي . والرّبا كناية عن المقامات الإلهية والأحوال الربّانيّة التي يكون فيها السّالك في طريق اللّه تعالى وهذه هي جنة المعارف والعلوم كما قال تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) [ الرّحمن : الآية 46 ] ، يعني جنة الحسن وهي المعروفة في الآخرة وجنة المعاني وتكون في الدنيا والآخرة . وقوله أمحلت أم حلت ، يعني أجدبت أم أثمرت بما يحلو من لذائذ المناجاة ولطائف الخطابات والمكالمات الحاصلة في الدنيا والآخرة عجّلها اللّه لي من جملة الجنّتين اللتين وعدهما لمن خاف مقامه والتزم شرائعه وأحكامه . اه .